يزيزنا
لم تكن أمي تناديني يزيد.
للدال عندها حكاية صغيرة. أحيانًا تمر على لسانها زايًا دون أن تنتبه.
أما بقية الاسم فأظن أن أمي كانت تعرف جيدًا ماذا تفعل.
كان يزيد عندها:
يزيزنا
كبرت وأنا أسمعها حتى صار الاسم عاديًا في البيت. كنت أعرف أن اسمي يزيد. أراه مكتوبًا في المدرسة وعلى الأوراق وأسمعه من الناس.
لكنني كنت أشعر بشيء غريب.
أنهم جميعًا ينطقون اسمي صحيحًا.
وأمي وحدها تنطقه كما يجب.
ربما لأن الطفل يصدق أمه قبل أن يصدق الأوراق.
وربما لأنني أحببتها بما يكفي لأظن أن الاسم حين يخرج من فمها لا يمكن أن يكون خطأ.
كبرت بعد ذلك وفهمت حكاية الدال.
أما «نا» فلم أفهمها إلا بعدما كبرت كثيرًا.
لم أسأل أمي عنها يومًا. ولا أريد أن أسألها الآن.
يكفيني أنني أعرفها.
أعرف أن في قلبها جزءًا ظل يقاوم فكرة أن ولدها كبر.
هي تعرف أن لي حياتي. تعرف أن لي بيتًا وأسرة وأبناء ومسؤوليات. وتعرف أن العمر لا يعيد أبناءنا إلى أحضاننا كلما أردنا.
تعرف ذلك كله.
وترضى به.
لكن القلب لا يفهم الأشياء بالطريقة نفسها.
ولهذا بقيت الـ«نا».
كبر ولدها.
خرج إلى الدنيا.
صار رجلًا.
لكنها كلما نادته أعادته إليها بحرفين.
يزيزنا.
لم تكن تقول لي إنني لها.
كانت فقط تناديني.
وأظن أن هذا أجمل.
مرت السنوات بسرعة لم أشعر بها إلا بعدما التفتُّ خلفي.
صار لي بيت وعمل وأبناء وحياة مزدحمة. صرت أخرج صباحًا وأنا أفكر في عشرات الأشياء وأعود وفي رأسي عشرات أخرى.
وصار الناس ينادونني «يزيد».
في العمل يزيد.
في الأوراق يزيد.
في الهاتف يزيد.
وفي كل مكان تقريبًا يزيد.
إلا عند أمي.
هناك بقي الاسم القديم ينتظرني.
يزيزنا.
وكأنها لا تعترف تمامًا بكل هذه السنوات التي وضعتها الحياة بيني وبين ذلك الطفل.
أدخل عليها رجلًا تجاوز الأربعين.
فتناديني.
وفجأة لا يبقى من كل هذا العمر شيء.
وهذا ما يؤلمني الآن.
ليس لأن الكلمة حزينة.
بل لأنها سعيدة أكثر مما ينبغي.
سعيدة إلى درجة أنني أخاف عليها.
فنحن لا نخاف على الأشياء التي لا تعني لنا شيئًا.
نخاف على الأشياء التي لا نعرف كيف ستكون الحياة من دونها.
حين كنت صغيرًا لم أحاول يومًا أن أحفظ صوت أمي.
لم يكن هناك سبب.
كانت أمامي.
والبيت أمامي.
والأيام طويلة.
وكنت أظن مثل كل طفل أن أمه شيء ثابت في هذا العالم.
يكبر هو.
وتبقى هي.
يمضي ويعود فيجدها.
لم أكن أعرف أن السنوات التي كانت تمر عليّ كانت تمر عليها أيضًا.
وأنني في كل مرة كنت أكبر فيها عامًا كانت أمي تكبر عامًا معي.
هذه الحقيقة وحدها تكفي لأن تجعل الإنسان ينظر إلى أمه بطريقة مختلفة.
تبدأ تلاحظ أشياء لم تكن تراها.
ملامح تغيرت قليلًا.
تعبًا لم يكن موجودًا.
هدوءًا جاء مع السنوات.
وتبدأ تسمع الكلمات القديمة بطريقة جديدة.
ومنذ ذلك الوقت لم تعد يزيزنا مجرد اسم بالنسبة لي.
صرت أسمع فيها عمري كله.
أسمع البيت.
أسمع طفولتي.
أسمع أمي وهي أصغر.
وأسمع ولدًا كان يعيش كل هذا الجمال ولا يعرف أنه جميل.
وأحيانًا أشتاق إليها وهي أمامي.
وأظن أن هذا أحد أحزان العمر التي لا نتحدث عنها كثيرًا.
أن تشتاق إلى شخص لم يغب.
لأنك لا تشتاق إليه وحده.
تشتاق إلى النسخة القديمة منه.
وإلى النسخة القديمة منك وأنت معه.
إلى أيام كان أكبر همومك فيها صغيرًا.
إلى بيت لم تكن تعرف أنك ستفتقد تفاصيله.
إلى أم كنت تسمع صوتها كل يوم ولم يخطر ببالك مرة أن تحفظه.
أمي موجودة والحمد لله.
وما زالت تقول:
يزيزنا
لكنني الآن أنتبه.
أسمعها جيدًا.
وأحيانًا أحاول أن أحفظ نبرتها دون أن تعرف.
لا أريد أن تشعر أنني أفعل ذلك.
لأنني لا أريد أن يتحول وجودها إلى خوف من غيابها.
أريدها كما كانت دائمًا.
أمي فقط.
وأريد أن أبقى أمامها كما كنت دائمًا.
ولدها.
حتى لو صار لي أولاد.
حتى لو أخذني العمر بعيدًا.
حتى لو قبلت هي بكل ذلك.
أعرف أن في قلبها شيئًا لم يقبل تمامًا.
شيئًا صغيرًا يقول إن هذا الولد مهما كبر له مكان قديم هنا.
وأجمل ما فعلته أمي أنها لم تقل ذلك يومًا.
وضعته في آخر اسمي فقط.
نا.
حرفان صغيران.
لكنني كلما كبرت فهمتهما أكثر.
ثم جاءت منى.
ومع الوقت بدأ الشبه بيننا يظهر.
صار من يعرفني جيدًا ينظر إليها ثم ينظر إليّ ويبتسم. بعض ملامحي فيها. بعض حركاتي. وأحيانًا أرى فيها شيئًا مني لا أعرف كيف أصفه.
حتى بدأوا يسمونها من شدة شبهها بي:
يزيزنا
ضحكت أول مرة سمعتها.
ثم سكت.
لأنني فجأة شعرت أن الكلمة أصبحت أكبر مني.
نظرت إلى منى وفكرت في الطريق الذي قطعته.
بدأت من لسان أمي.
من دال أصبحت زايًا.
ومن «نا» لم أفهم معناها إلا بعدما صار لي بيت بعيد عن حضن أمي.
عاشت الكلمة طفولتي كلها.
كبرت معي.
ثم سبقتني إلى ابنتي.
وكان في ذلك شيء جميل وموجع معًا.
كأن الحياة كانت تقول لي إن الأشياء لا تعود كما كانت.
لكن بعضها يعود في صورة أخرى.
نظرت إلى منى ورأيت شيئًا من الولد الذي كنته.
وفهمت لماذا يبتسم الكبار أحيانًا وهم ينظرون إلى الأطفال ثم يصمتون.
ربما لا ينظرون إليهم وحدهم.
ربما يرون خلفهم أشخاصًا آخرين.
وبيوتًا أخرى.
وأيامًا لن تعود.
أصبحت أفهم أمي أكثر الآن.
ربما لأنني صرت أبًا.
أفهم كيف يمكن للإنسان أن يعرف أن أبناءه ليسوا ملكًا له ومع ذلك يشعر أن جزءًا منهم سيظل له وحده.
نتركهم يكبرون.
نرضى ببيوتهم.
نرضى بحياتهم.
نقف بعيدًا أحيانًا حتى لا نثقل عليهم بحبنا.
لكن القلب يحتفظ بنسخته القديمة منهم.
وأظن أن أمي فعلت ذلك معي.
رضيت بكل شيء.
إلا أنها احتفظت بحرفين.
نا.
وتركتني أعيش حياتي كلها وهي تضعهما في آخر اسمي كلما نادتني.
لم أفهمها وأنا صغير.
واليوم أفهمها أكثر مما كنت أتمنى.
لأن بعض الفهم يأتي متأخرًا ويحمل معه شيئًا من الحزن.
نتمنى لو فهمناه ونحن أصغر.
لو جلسنا أكثر.
لو انتبهنا أكثر.
لو عرفنا أن الأيام العادية التي كنا نستعجل مرورها ستكون يومًا أكثر الأيام التي نشتاق إليها.
يزيد هو اسمي الصحيح عند الناس.
وأعرف ذلك منذ زمن طويل.
لكن شيئًا في داخلي ما زال يشعر أن يزيزنا هو الصحيح.
ليس لأن أمي تنطق الدال زايًا أحيانًا.
ولا لأن «نا» جزء من اسمي.
بل لأنني أحببت أمي بما يكفي لأصدق نسختها مني أكثر من نسخة العالم.
ولهذا لا أريد إصلاح الدال.
ولا أريد حذف الـ«نا».
فبعض أخطاء من نحب لا نريد إصلاحها.
وبعض ما يتمسكون به منا لا نريد منهم أن يتركوه.
نريد فقط أن يبقوا هنا… ليكرروه.
لا أريد أن أستبق الأيام.
أمي هنا والحمد لله.
وهذا يكفيني.
أريد أن أسمعها اليوم بدل أن أخاف من الغد.
أن أجلس معها أكثر.
أن أتركها تناديني كما تشاء.
وأن أتذكر أن وجود بعض الناس في حياتنا ليس أمرًا عاديًا مهما طال.
لكنني أعرف أنني في كل مرة أسمعها تقول يزيزنا سأحاول أن أحفظ شيئًا من صوتها.
ليس تشاؤمًا.
إنما لأن العمر علمني متأخرًا أن الأشياء التي نظن أننا لن ننساها هي أكثر الأشياء التي نخاف يومًا أن تخوننا فيها الذاكرة.
وسيأتي يوم تكبر فيه منى.
وربما يظل أحدهم يناديها:
يزيزنا
فتلتفت هي.
وسألتفت أنا أيضًا.
هي ستظن أنهم ينادونها لأنها تشبه أباها.
أما أنا فسأعرف أنني التفت لشيء أبعد بكثير.
لبيت مضى عمره.
لولد كنت أعرفه.
لامرأة أحبت ذلك الولد حتى أضافت نفسها إلى اسمه.
نا.
وسأفهم حينها أن أمي كانت تعرف منذ البداية ما لم أفهمه إلا بعد كل هذه السنوات.
أن الأبناء يكبرون.
وتأخذهم البيوت والأيام.
ويصبح لهم عالمهم الخاص.
ويبقى للأم منهم شيء لا تأخذه الحياة.
ولهذا مهما قال الناس إن اسمي يزيد…
سيظل هناك اسم واحد أشعر أنه اسمي فعلًا.
الاسم الذي لم يكن صحيحًا في اللغة.
وكان صحيحًا في قلبي منذ البداية.
يزيزنا.
اترك تعليقًا